فصل: قال الزمخشري:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الزمخشري:

{والله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ} بغير تقدير، يعني أنه يوسع على من توجب الحكمة التوسعة عليه كما وسع على قارون وغيره، فهذه التوسعة عليكم من جهة الله لما فيها من الحكمة وهي استدراجكم بالنعمة. ولو كانت كرامة لكان أولياؤه المؤمنون أحق بها منكم. اهـ.

.قال ابن عاشور:

وقوله: {والله يرزق من يشاء} إلخ تذييل قصد منه تعظيم تشريف المؤمنين يوم القيامة، لأن التذييل لابد أن يكون مرتبطًا بما قبله فالسامع يعلم من هذا التذييل معنى محذوفًا تقديره والذين اتقوا فوقهم فوقية عظيمة لا يحيط بها الوصف، لأنها فوقية منحوها من فضل الله وفضلُ الله لا نهاية له، ولأن من سخرية الذين كفروا بالذين آمنوا أنهم سخروا بفقراء المؤمنين لإقلالهم.
والحساب هنا حصر المقدار فنفي الحساب نفي لعلم مقدار الرزق، وقد شاعت هذه الكنابة في كلام العرب كما شاع عندهم أن يقولوا يُعَدُّون بالأصابع ويحيط بها العد كناية عن القِلّة ومنه قولهم شيء لا يُحصى ولذلك صح أن ينفى الحساب هنا عن أمر لا يعقل حسابه وهو الفوقية وقال قيس بن الخطيم:
ما تمنعِي يقظي فقد تُؤْتينه ** في النَّوْم غيرَ مُصَرَّدٍ محسوبِ

اهـ.

.قال الفخر:

أما قوله تعالى: {والله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ} فيحتمل أن يكون المراد منه ما يعطي الله المتقين في الآخرة من الثواب، ويحتمل أن يكون المراد ما يعطي في الدنيا أصناف عبيده من المؤمنين والكافرين فإذا حملناه على رزق الآخرة احتمل وجوهًا أحدها: أنه يرزق من يشاء في الآخرة، وهم المؤمنون بغير حساب، أي رزقًا واسعًا رغدًا لا فناء له، ولا انقطاع، وهو كقوله: {فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجنة يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} [غافر: 40] فإن كل ما دخل تحت الحساب والحصر والتقدير فهو متناه، فما لا يكون متناهيًا كان لا محالة خارجًا عن الحساب وثانيها: أن المنافع الواصلة إليهم في الجنة بعضها ثواب وبعضها تفضل كما قال: {فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مّن فَضْلِهِ} [النساء: 173] فالفضل منه بلا حساب وثالثها: أنه لا يخاف نفادها عنده، فيحتاج إلى حساب ما يخرج منه، لأن المعطي إنما يحاسب ليعلم لمقدار ما يعطي وما يبقي، فلا يتجاوز في عطاياه إلى ما يجحف به، والله لا يحتاج إلى الحساب، لأنه عالم غني لا نهاية لمقدوراته ورابعها: أنه أراد بهذا رزق أهل الجنة، وذلك لأن الحساب إنما يحتاج إليه إذا كان بحيث إذا أعطى شيئًا انتقص قدر الواجب عما كان، والثواب ليس كذلك فإنه بعد انقضاء الأدوار والأعصار يكون الثواب المستحق بحكم الوعد والفضل باقيًا، فعلى هذا لا يتطرق الحساب ألبتة إلى الثواب وخامسها: أراد أن الذي يعطي لا نسبة له إلى ما في الخزانة لأن الذي يعطي في كل وقت يكون متناهيًا لا محالة، والذي في خزانة قدرة الله غير متناه والمتناهي لا نسبة له إلى غير المتناهي فهذا هو المراد من قوله: {بِغَيْرِ حِسَابٍ} وهو إشارة إلى أنه لا نهاية لمقدورات الله تعالى وسادسها: {بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي بغير استحقاق يقال لفلان على فلان حساب إذا كان له عليه حق، وهذا يدل على أنه لا يستحق عليه أحد شيئًا، وليس لأحد معه حساب بل كل ما أعطاه فقد أعطاه بمجرد الفضل والإحسان، لا بسبب الاستحقاق وسابعها: {بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي يزيد على قدر الكفاية، يقال: فلان ينفق بالحساب إذا كان لا يزيد على قدر الكفاية، فأما إذا زاد عليه فإنه يقال: ينفق بغير حساب وثامنها: {بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي يعطي كثيرًا لأن ما دخله الحساب فهو قليل.
واعلم أن هذه الوجوه كلها محتملة وعطايا الله لها منتظمة فيجوز أن يكون المراد كلها والله أعلم.
أما إذا حملنا الآية على ما يعطي في الدنيا أصناف عباده من المؤمنين والكافرين ففيه وجوه:
أحدها: وهو أليق بنظم الآية أن الكفار إنما كانوا يسخرون من فقراء المسلمين لأنهم كانوا يستدلون بحصول السعادات الدنيوية على أنهم على الحق ويحرمون فقراء المسلمين من تلك السعادات على أنهم على الباطل، فالله تعالى أبطل هذه المقدمة بقوله: {والله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ} يعني أنه يعطي في الدنيا من يشاء من غير أن يكون ذلك منبئًا عن كون المعطي محقًا أو مبطلًا أو محسنًا أو مسيئًا وذلك متعلق بمحض المشيئة، فقد وسع الدنيا على قارون، وضيقها على أيوب عليه السلام، فلا يجوز لكم أيها الكفار أن تستدلوا بحصول متاع الدنيا لكم وعدم حصولها لفقراء المسلمين على كونكم محقين وكونهم مبطلين، بل الكافر قد يوسع عليه زيادة في الاستدراج، والمؤمن قد يضيق عليه زيادة في الابتلاء والامتحان، ولهذا قال تعالى: {وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً واحدة لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مّن فِضَّةٍ} [الزخرف: 33] وثانيها: أن المعنى: أن الله يرزق من يشاء في الدنيا من كافر ومؤمن بغير حساب يكون لأحد عليه، ولا مطالبة، ولا تبعة، ولا سؤال سائل، والمقصود منه أن لا يقول الكافر: لو كان المؤمن على الحق فلم لم يوسع عليه في الدنيا؟ وأن لا يقول المؤمن إن كان الكافر مبطلًا فلم وسع عليه في الدنيا؟ بل الإعتراض ساقط، والأمر أمره، والحكم حكمه {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ} [الأنبياء: 23] وثالثها: قوله: {بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي من حيث لا يحتسب كما يقول الرجل إذا جاءه ما لم يكن في تقديره: لم يكن هذا في حسابي، فعلى هذا الوجه يكون معنى الآية: أن هؤلاء الكفار وإن كانوا يسخرون من الذين آمنوا لفقرهم، فالله تعالى قد يرزق من يشاء من حيث لا يحتسب، ولعله يفعل ذلك بالمؤمنين، قال القفال رحمه الله:
وقد فعل ذلك بهم فأغناهم بما أفاء عليهم من أموال صناديد قريش ورؤساء اليهود، وبما فتح على رسوله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته على أيدي أصحابه حتى ملكوا كنوز كسرى وقيصر. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

.قال الألوسي:

وفيه إشارة إلى تملك المؤمنين المستهزئ بهم أموال بني قريظة والنضير، ويجوز أن يراد في الدارين فيكون تذييلًا لكلا الحكمين. اهـ.

.من فوائد ابن عرفة في الآية:

قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الحياة الدنيا}.
أسند التزين إلى الملزوم اكتفاء به عن اللازم، مع أن اللازم هو الذي يكتفي به عن الملزوم بخلاف العكس كما قال: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات} إذ لا يلزم من تزيّن الحياة الدنيا لهم محبتهم إياها ولو قيل: زين للكافرين حب الدنيا لا ستلزم ذلك تزيّن الدنيا لهم. وتقرر أن المحبة إن كانت متعلقة بأحد النقيضين أو الضدين دلت على كراهة مقابله.
قال ابن عرفة: والمحبة على أن المزين له كافر إلا مع معارضتها للآخرة وترجيحها عليها أما مع عدم المعارضة فلا. وهذا في الاعتقاد وأما في الأحكام والفروع فلا؛ لأجل أن عُصاة المؤمنين كلّهم رجحوا الدنيا على الآخرة.
قوله تعالى: {والذين اتقوا فَوْقَهُمْ يَوْمَ القيامة والله يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}.
إما تهييج على الاتصاف بالتقوى فلذلك قال: {فَوْقَهُمْ} وإما تنبيه على تفاوت درجاتهم، وإما أن يكون التقوى والإيمان بمعنى واحد. اهـ.

.من فوائد القاسمي في الآية:

قال رحمه الله:
{زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} حتى بدلوا النعمة: {الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} لحضورها، فألهتهم عن غائب الآخرة.
قال الحرالي: ففي ضمنه إشعار بأن استحسان بهجة الدنيا كفر ما، من حيث إن نظر العقل والإيمان يبصِّر طيّتها، ويشهد جيفتها، فلا يغتر بزينتها، وهي آفة الخلق في انقطاعهم عن الحق؛ فأبهم تعالى المزين في هذه الآية ليشمل أدنى التزيين الواقع على لسان الشيطان، وأخفى التزيين الذي يكون من استدراج الله كما في قوله تعالى: {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} [الأنعام: 108].
وفي كلامه إشعار بما يجاب عن ورود التزيين، مسندًا إلى الله تعالى تارة وإلى غيره أخرى، في عدة آيات من التنزيل الكريم.
وللراغب كلام بديع ينحل به مثل هذا الإشكال وهو قوله:
إن الفعل كما ينسب إلى المباشر له، ينسب إلى ما هو سببه ومسهّله، وعلى هذا يصح أن ينسب فعلٌ واحدٌ تارة إلى الله تعالى وتارة إلى غيره، نحو قوله: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ} [السجدة: 11]، وفي موضع آخر: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُس} [الزمر: 42]. فأسند الفعل في الأول إلى المباشر له، وفي الثاني إلى الآمر به؛ وهكذا، يتصور ما ذكر، تزول الشبهة فيما يرى من الأفعال منسوبًا إلى الله تعالى، منفيًا عن الله تعالى، نحو قوله: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ} [الأنفال: 17]، وقوله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17] وقوله: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 79].
{وَيَسْخَرُونَ}- أي: يهزأون-: {مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ} وهذا كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} [المطففين: 29- 30] الآيات: {وَالَّذِينَ اتَّقَواْ} وهم المؤمنون، وإنما ذكروا بعنوان التقوى لحضهم عليها، وإيذانًا بترتب الحكم عليها: {فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} لأنهم في عليين وهم في أسفل سافلين، أو لأنهم يتطاولون عليهم في الآخرة فيسخرون منهم كما سخروا منهم في الدنيا، كما قال تعالى: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ} [المطففين: 34- 35].
ولذا قال الراغب: يحتمل قوله تعالى: {فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} وجهين:
أحدهما: أن حال المؤمنين في الآخرة أعلى من حال الكفار في الدنيا.
والثاني أن المؤمنين في الآخرة هم في الغرفات، والكفار في الدرك الأسفل من النار. انتهى.

.لطائف:

قال السيلكوتي: اعلم أن قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} الخ جملة معللة لما سبق من أحوال الكفار من المنافقين وأهل الكتاب؛ يعني أن جميع ما ذكر من صفاتهم الذميمة، لأجل تهالكهم في محبة الحياة الدنيا وإعراضهم عن غيرها؛ وأورد التزيين بصيغة الماضي لكونه مفروغًا منه، مركوزًا في طبيعتهم. وعطف عليه بالفعل المضارع- أعني: {يَسْخَرُونَ}- لإفادة الاستمرار، وعطف قوله: {وَالَّذِينَ اتَّقَوْا} لتسلية المؤمنين.
وقوله تعالى: {وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ} يعني: ما يعطي الله هؤلاء المتقين من الثواب بغير حساب أي: رزقًا واسعًا رغدًا لا فناء له ولا انقطاع، كقوله سبحانه: {فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} [غافر: 40]؛ فإن كل ما دخل تحت الحساب والحصر والتقدير فهو متناه، فما لا يكون متناهيًا كان لا محالة خارجًا عن الحساب.
وقد استقصى الراغب: ما تحتمله الآية من وجوهها- وتلك سعة- وعبارته: أعطاه بغير حساب: إذا أعطاه أكثر مما يستحق، أو أقلّ مما يستحق؛ والأول هو المقصود وهو المشار إليه بالإحسان، وقد فسر ذلك على أوجه لإجمال اللفظ وإبهامه.
الأول: يعطيه عطاء لا يحويه حصر العباد، كقول الشاعر:
عطاياه يُحصى قبل إحصاءها القطرُ

الثاني: يعطيه أكثر مما يستحقه.
الثالث: يعطيه ولا منّة.
الرابع: يعطيه بلا مضايقة. من قوله: حاسبه.
الخامس يعطيه أكثر مما يحسبه أن يكفيه- وكل هذه الوجوه يحتمل أن يكون في الدنيا، ويحتمل أن يكون في الآخرة.
السادس: أن ذلك إشارة إلى توسيعه على الكفار والفساق الذين قال فيهم: {وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [الزخرف: 33]، وتنبيهًا أن لا فضيلة في المال لمن يوسع عليه، ما لم يستعن عليه في الوصول إلى المطلوب منه؛ ولهذا قال تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ} [المؤمنون: 55] الآية.
السابع: يعطي أولياءه بلا تبعة ولا حساب عليهم فيما يعطون، وذلك لأن المؤمن لا يأخذ من عرض الدنيا إلا ما يجب من حيث يجب على الوجه الذي يجب، ولا ينفقه إلا على ذلك، فهو يحاسب فلا يحاسب، ولهذا روي: من حاسب نفسه في الدنيا أمن الحساب في الآخرة. وعلى هذا قال تعالى لسليمان: {وهَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [ص: 39].
الثامن: أن الله عز وجل يعامل في القيامة المؤمنين لا بقدر استحقاقهم بل بأكثر منه، كما قال: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [البقرة: 245] الآية.
التاسع: وهو يقارب ذلك: أن ذلك إشارة إلى ما روي أن أهل الجنة لا حظر عليهم، وعلى ذلك قوله تعالى: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ} [الزخرف: 71] الآية، وقوله: {و يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ} الآية.
وأما تعلقه بما تقدم، فعلى بعض هذه التفاسير، يتعلق بالذين كفروا، وعلى بعضه يتعلق بالذين آمنوا. اهـ.